اللواء طارق حكايات ياسمين سالم
أبويا أخد النفس بالعافية وقال بصوت واطي جداً:
“أنت بتبِيع أهلك يا أحمد؟”
رديت عليه وأنا بقفل علبة الوسام في إيدي بصوت كليك واضح:
“أنا مابعتش حد يا بابا.. أنتوا اللي اخترتوا تبيعوا كل حاجة عشان منظرة فارغة، واخترتوا تشوفوني صغير لمجرد إني ما بتكلمش عن نفسي. السلام عليكم.”
قفلت السكة في وشهم.
مسحت الشاشة، وحطيت الموبايل في جيبي. الصمت رجع جوة العربية المرسيدس، بس المرة دي كان صمت مريح.. صمت تقيل زي الهيبة، ونظيف زي الحقيقة.
اللواء طارق ابتسم ابتسامة هادية وطبطب على كتفي:
“عاش يا أحمد. دلوقتي نركز في المأمورية الجديدة؟”
عدلت بدلتي، وبصيت قدامي على الطريق اللي منور بأنوار القاهرة:
“جاهز يا فندم.. اتفضل.”
وصلنا مقر القيادة العامة مع أذان الفجر. المبنى الضخم كان منور وساكن، والهدوء اللي فيه يرد الروح بعد العاصفة اللي عشتها في بيت أبويا.
دخلت مكتب القيادة، وبدأت فوراً في تجهيز التقرير النهائي لتأمين منظومة “سنتينل 9”. اشتغلت لست ساعات متواصلة بتركيز صافي.. من غير ما أبص للموبايل اللي كان المساعد بتاعي طافيه وشايله على جنب بناءً على أوامري.
على الساعة عشرة الصبح، دخل عليا المساعد واداني ملف أصفر وُضعت عليه علامة “سري جداً”.
“أوامر النيابة العسكرية يا فندم. تم حبس الأستاذ شريف الألفي و4 من أعضاء مجلس إدارته 15 يوماً على ذمة التحقيق، وجاري التحفظ على كافة أصول الشركة ومصادرة الأجهزة.”
هزيت رأسي بهدوء: “تمام يا ملازم. يرفق الملف مع تقرير الفحص الفني.”
لما خلصت شغلي وسلمت التكليف الجديد للواء طارق، طلعت على مكتبي الصغير. قعدت على الكرسي، وطلعت الموبايل وفتحته.
لقيت أكتر من 40 مكالمة فائتة.. ورسالة واحدة أخيرة من أبويا اتبعتت الساعة 7 الصبح:
*”أنا فهمت متاخر يا أحمد.. الشبهات اللي شريف جابها لنفسه وللبيت كسرتني. أنا طول عمري كنت بتباها باللي بيعمل فلوس، ونسيت إنك أنت اللي بتصون الاسم والبيت الحقيقي. العلبة اللي رميتها في الأكل كانت قيمتها فيك أنت مش في العلبة. لو ليك قلب تسامح رجل عجوز خرف.. أنا مستنيك.”*
قريت الرسالة مرتين. ما حسيتش بانتصار ولا بشماتة.. حسيت بس بإني أخيرًا حطيت كل حاجة في مكانها الصح.