حماتي منعتني من فرح اخو جوزي

حصري لصفحة روايات رولا
​حماتي منعتني أدخل فرح أخو جوزي اللي أنا دافعة ثمنه كله، عشان شايفاني “واحدة بياعة ومعهاش شهادة عالية”.. وبعد ساعتين بس، كروتها التلاتة اتقفلت واتفضحت.
​حماتي رمت شنطتي على الأرض وقالتلي إن واحدة “من غير شهادة” زيي ملهاش حق تقعد مع عيلتها في الفرح اللي أنا نفسي دافعة مصاريفه م المليم.
​كان فاضل ساعتين على كتب كتاب وسيشن الفرح بتاع سيف، أخو جوزي، في فندق فخم في التجمع الخامس. أنا كنت خلاص لبست الفستان الأخضر الزمردي اللي كنت عملاه تفصيل مخصوص عند ترزي فساتين كبير في الإسكندرية، بس هدى وقفت قدام باب الشقة في المعادي وبصتلي بصه كأني بنجس الرخام بمجرد ما بتنفس. هدى كانت بتترأس جمعية أهلية وثقافية بيتردد عليها رجال أعمال وأساتذة جامعة، وبقالها سنين بتستخدم الوجاهة دي كأنها تاج على رأسها.
​— انتي مش رايحة.
​افتكرت نفسي سمعت غلط.
​— أنا مرات ابنك! بقالي ٤ سنين وسطكم.. ليه مش هروح؟
​هدى رفعت دقنها لفوق، وفي إيدها بتلمع ساعة ماركة أوريجينال كانت شرياها بكارت إضافي مشحون من حسابي أنا.
​— عشان عيلة العروسة ناس متنعنشين ومثقفين.. بابا ندى أستاذ جامعي وماما بتدير مؤسسة خيرية، والحضور كلهم رجال أعمال ودكاترة وأساتذة.. لما يسألوا عنك ويتساءلوا درستي فين، هنقولهم إيه؟ إنك بدأتي بياعة هدوم في فرش بآกة العتبة؟
​وشي ولع نار. بصيت لجوزي، أحمد، على أمل إنه لمرة واحدة في حياته يقول كفاية.. بس هو كان بيظبط كبكات الفضة اللي أنا كنت جيباهاله هدية وبص بعيد وتفادى عيني.
​— يا ندى.. يا حبيبتي، بلاش نعمل دراما النهاردة. أمي بس عاوزة تعدي اليوم من غير مواقف بايخة.
​— موقف بايخ لمين بالظبط؟
​— لسيف.. ولليوم كله.
​ضحكت بكسرة نفس ومرارة.
​— عربون الفندق ده طالع من حسابي! والورد والديكور طالعين من حسابي! والعربية اللي سيف نازل استعراض بيها بقاله ٦ شهور، المقدم بتاعها أنا اللي دافعاه! وطلعت أنا في الآخر اللي بكسفكم؟
​هدى ضربت الأرض بجزمتها وصرخت:
​— هتفضلي بقى تمنّي علينا بالفلوس؟! لو بتكسبي كتير فده لأن العيلة دي هي اللي وفرتلك الاستقرار عشان تعرفي تعملي سبوبتك وتجارك دي! أقل واجب منك إنك تساعدي.. إنما الفلوس عمرها ما تشتري أصل ولا أدب!
​وراحت مسكت شنطتي من على الترابيزة ورمتها بقوة على الكنبة.
​— اقعدي هنا.. قومي روّقي الشقة لو حابة تحسي إن ليكي لازمة.. وإياكي تظهري في الفندق وتفضحينا قدام الناس!
​أحمد فتح الباب وقالي وهو طالع:
​— بليل وأنا راجع هبقى أجيبلك معايا أكل من المطبخ هناك.
​الكلمة دي كانت ألعن من أي شتيمة.. كانت طالعة كأنه بيمّن عليا بالبواقي وكأن ده من كرم أخلاقه.
​الباب اتقفل والشقة بقت هادية تماماً.
​فضلت واقفة مكاني دقايق مش قادرة أتحرك. بصيت لبرقوعة صورة العيلة اللي متعلقة على الحيطة.. هدى لابسة فيها عقد أنا اللي دافعة ثمنه، وأحمد لابس بدلة تفصيل كنت جيباهاله معايا في سفريات شغلي للغزل والنسيج في المحلة.. وسيف حاطط ساعة فخمة كان سحب ثمنها من الفيزا بتاعتي على أساس إنه سيردها لما ينزل له “البونص”.
​بقالي ٤ سنين فاكرة إني لو أديت وضحيت أكتر، هيحترموني في الآخر.
​استحملت هدى وهيا بتقول قدام قرايبهم في العزومات إن شغلي ده “مجرد دكانة على النت”، رغم إني بفضل الله بقيت بأدرك خطوط توزيع وتجارة ملابس وجزم كاملة بين القاهرة والإسكندرية والمحلة. استحملت أحمد وهو بيعمل فيها “سي السيد” وبيقول للناس إنه هو اللي شايل البيت، في حين إني أنا اللي بدفع أقساط الشقة والتأمينات وحتى مصاريف مصايف أمه في الساحل.
​الشهر اللي فات بس، في عيد ميلاد هدى، واحدة من قرايبهم سألتني عن الشغل والمشروع بتاعي.. وقبل ما ألحق أرد، حماتي ضحكت بصوت عالٍ واستخفاف:
​— مشروع إيه يا حبيبتي.. شوية بضاعة بتشتريها وتبيعها.. أحمد هو اللي شغال شغلانة بجد وليها قيمة.
​تليفوني ير ساعتها عشان مشكلة في شحنة بضاعة واقفة في الجمارك.. دوبك قلت جملتين على الموبايل، لقيت هدى بتخبط بالمعلقة على فنجان الشاي بقلة أدب:
​— احنا بنآكل! اقفلي موضوع السويقة ده وصبي القهوة!
​وأحمد كمل أكل في حتة اللحمة بتاعته ولا كأنه سامع حاجة.
​افتكرت كل ده.. والموقف ده بالذات هو اللي هدّ كل حاجة جوايا.
​قلعت الحلق، فكيت شعري، وعملت لنفسي فنجان قهوة مظبوط. بعدها فتحت أبلكيشن البنك على الموبايل.
​كان فيه ٣ كروت إضافية متوصلين بالحساب الرئيسي بتاعي:
​هدى: سبا، مجوهرات، ميك أب، ومطاعم فخمة.
أحمد: اشتراك نادي الجزيرة، خروجات “شغل”، واكسسوارات.
سيف: كافيهات، أقساط العربية، هدوم، ومصاريف الفرح.
​ما حسيتش بغضب.. حسيت بصفاء وراحة غريبة.
​دوست “تجميد الحساب والكارت” للفيزا الأولى.
​وبعدها الثانية.
​وبعدها الثالثة.
​البنك طلب يأتكد من شخصيتي برقم سري.. دخلته.
​في أقل من دقيقة.. الحياة الفخمة والمنظرة اللي عيلة جوزي عايشين فيها ومباهيين بيها الناس، اتنسخت ورا ٣ حتت بلاستيك ملهمش أي قيمة.
​قفلت الإشعارات، حطيت التليفون على وشه، وصبّيت فنجان قهوة تاني.
​الساعة ١٢:١٧ الضهر.. وأنا قاعدة حافية قدام الشباك بشرب القهوة، التليفون بدأ يتهز ومبيقفش.
​الأول ٤ مكالمات.
​بعدها ١١.
​بعدها ٢٣ مكالمة.
​بدأت تيجي رسائل من أحمد:
“انتي عملتي إيه؟!”
​ورسالة تانية من سيف:
“شغّلي الكارت فوراً! الفندق مش راضي يدخل المعازيم ولا يبدأ التجهيزات!”
​وأخيراً رسالة من هدى:
“ردي عليا دلوقتي حالا! انتي بتفضحينا وبتمسحي بينا الأرض قدام الناس!”
​بصيت للشاشة وابتسمت من قلبي لأول مرة الصبح ده..
​هم لسه ميعرفوش إن قفل الكروت ده كان مجرد أول خطوة بس، والتقيل لسه جاي.
​
​في الفندق، وعلى حسب ما عرفت بعدين، هدى سلمت الكارت بتاعها للريسبشن بنفخة الثقة المعتادة، كأنها بتتباهى بفلوس وعز مش بتوعها أساساً.
​— المتبقي $486,000 جنيه يا فندم (حوالي نص مليون جنيه) — الموظف قالهالها بكل احترام.
​ماكينة الفيزا طلعت “العملية مرفوضة”.
​هدى اتوترت وقالت إن ده أكيد عطل من البنك. أحمد قدم كاراته.. “مرفوضة”. سيف طلع الكارت التالت قدام ندى ووالديها.. “مرفوضة”.
​مدير الفندق إداهم مهلة ١٥ دقيقة بالضبط عشان يدفعوا باقي المبلغ، وإلا هيلغوا دخول القاعة، وهيوقفوا البوفيه والمشروبات والدي جي.
​هدى بقلة حيلة اتصلت بخدمة عملاء البنك وفتحت الميكروفون والسبكر عالي عشان تثبت للفندق إن البنك هو اللي غلطان.
​موظفة البنك ردت بمنتهى الهدوء والوضوح:
— التلات كروت الإضافية اتعملهم تجميد و his blockage النهاردة الصبح من صاحبة الحساب الرئيسي.. ومفيش حد يقدر يفك التجميد ده غيرها هي شخصياً.
​والد العروسة، الدكتور إبراهيم، سأل سؤال محدش فيهم كان قادر يجاوب عليه:
— هي صاحبة الحساب دي تبقى مرات ابنك؟
​أحمد قال إن السكوت في اللحظة دي كان حاد ومخنق زي الموت.
​هدى كانت بقالها شهور بأكدة للكل إنهم بيجهزوا وبيدفعوا مصاريف الفرح من تحويشة العيلة، وكانت حتى بتلمح قدام الناس إني أنا دوبك بساعد بـ “حاجات بسيطة”.
​مدير الفندق نفذ كلامه لما الوقت خلص. قفلوا أبواب القاعة، الويترات شالوا الأزايز والخدمة، والدي جي سكت، وعشرات المعازيم بدأت تتجمع في لوبي الفندق ويسألوا باستغراب إيه اللي بيحصل في وسط الفرح.
​في اللحظة دي بالذات.. أنا رديت على المكالمة رقم ٤١.
​سمعت الأول صوت سيف وهو بيصرخ وبيلهث:
— يا ندى، شغلي الكروت فوراً! انتي بتبوظي فرحي وبتخربي بيتي!
​وبعدها صرخت هدى في الخلفية:
— دي قلة أدب وانتقام ناس بيئة ورخاص!
​وفي الآخر جه صوت أحمد وهو بيتحايل عليا:
— حبيبتي.. عشان خاطري ادفعي المبلغ ده دلوقتي ولما نرجع البيت نتكلم ونحل كل حاجة.
​أخدت بؤ قهوة بمنتهى الهدوء وقلت له:
— نرجع نتكلم في البيت؟ ده من ساعتين بس أمك قالتلي أقعد أروق الشقة عشان أنا معنديش شهادة ولا ثقافة تقعدني وسطكم!
— ده مش وقت الكلام ده خالص!
— لا ده وقته جداً.. بقالي ٤ سنين بصرف على فشخرتكم وعيشتكم وانتوا مستخسرين حتى تعترفوا قدام الناس مين اللي بيصرف. انتوا كنتوا عاوزين فرح من غير “البياعة”.. خلاص، هيجيلكم فرح من غير فلوس البياعة.
​صوت هدى اتغير فجأة وبقت تترجى:
— يا بنتي.. أنا اتغشيت وزودتها شوية معلش.. حقك عليا وأنا آسفة، بس حولي الفلوس دلوقتي وبعدين نصلح كل حاجة.
— متقوليش يا بنتي.. لما رميتي شنطتي على الكنبة وأمرتيني ألمس الأرض وأروق، عرفتيني تماماً أنا مقامي إيه عندكم.
​سيف شتم من وراها بجلطة:
— انتي مجنونة ومريضة!
— طب وريني بقى شهادتك العالية ويا ترى هتسدد بيها حساب الفندق إزاي؟
​سمعت شهقة شهقت من ورا.. مش عارفة كانت من العروسة ولا من أمها.
​وضفت وأنا بأقفل:
— وأنت يا أحمد.. بكرة الصبح توصلك ورقة دعوة من المحامية بتاعتي.
​قفلت السكة.
​اللي حصل بعد كده أنا ما حضرتوش بنفسي.. الدكتور إبراهيم طلب من سيف توضيح كامل للكل. سيف حاول يرمي التهمة عليا، بس ندى مسكته وسألته بوجه مباشر: أنت دفعت كام بالظبط من جيبك في الفرح ده؟ سيف معرفش ينطق حرف.
​وهنا هدى عملت الغلطة اللي دفنتهم تحت الأرض بالكامل.
صرخت وقالت:
— الست دي خيرنا عليها وكل اللي هي فيه من خير ابني! لو لا ابني كان زمانها لسه بتبيع هدوم في الشارع!
​ندى قلعت دبلتها ورمتهالها:
— أنا مش هتجوز راجل عايش على قفا ست وبيشتمها وبيقل منها.
​سيف نزل على ركبه يبكي.. وأحمد حاول يتدخل ويصلح.. وهدى بدأت تصرخ وتعيط.
مفيش حاجة نفعت.
​ندى مشيت وخرجت من الفندق هي وأهلها قدام كل المعازيم، والمصورين، والقرايب.
الفرح اتلغى رسمياً.
​بس دي كانت مجرد ضربة البداية..
​بعدها بـ ٣ أيام، كنت قاعدة قدام المحامية الأستاذة أمل العفيفي. حطيت قدامها على المكتب كشوفات حسابات البنك، الفواتير، الشات، و٤ إقرارات دين موقعين ومختومين.
​الأستاذة أمل رفعت النظارة وبصتلي باستغراب:
— هما ماضيين على الكلام ده بجد؟
— أيوه.. المحاسبة بتاعتي كانت بتجبرني أثبت أي مبالغ كبيرة.. هدى مضت على وصلات مقدم العربية ومصاريف الفرح، سيف موقع على وصل مقدم الشقة ومبالغ شهرية، وأحمد موقع على مبالغ سحبها من شركتي على أساس إنه هيردها للعمليات.
​الأستاذة أمل راجعت الورق تاني وابتسمت:
— ده كده الموضوع مش هدايا عائلية ولا كلام فاضي من ده.
— عمري ما اعتبرتها هدايا.
​إجمالي الديون التوثيقية دي كانت معدية الـ ٧ million جنيه.
​ولما الأستاذة أمل شرحتلي إحنا نقدر نرفع قضايا ونطالب بإيه بالظبط.. عرفت إن الفرح اللي اتلغى ده ما كانش نهاية المطاف بالنسبة لهم..
دي كانت مجرد أول خطوة في طريق السقوط.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *